سيد محمد طنطاوي

11

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ولقد ذكرت السورة الكريمة المؤمنين بما حدث من بعضهم من فرار عن المعركة حتى لا يعودوا إلى ذلك مرة أخرى فقالت : إِذْ تُصْعِدُونَ ولا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ والرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ وبينت لهم كيف أن اللَّه - تعالى - قد شملهم برحمته ، حيث أنزل عليهم النعاس في أعقاب المعركة ليكون أمانا لهم من الخوف ، وراحة لهم من الآلام التي أصابتهم . . . وكيف أنه - سبحانه - قد فضح المنافقين ، ورد على أقوالهم وأراجيفهم بما يدحضها ويبطلها . قال - تعالى - ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّه غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ . يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّه لِلَّه ، يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ ، يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا ، قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ ثم وجهت السورة الكريمة حديثها إلى النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فوصفته بأكرم الصفات وأفضلها ، ونزهته عن كل قول أو فعل يتنافى مع منزلته الرفيعة . . وأمرته باللين مع أتباعه وبالعفو عنهم وبالاستغفار لهم ، وبمشاورتهم في الأمر . ثم عادت السورة الكريمة فأكدت للمؤمنين أن ما أصابهم في أحد كان سببه من عند أنفسهم ، فهم الذين خالفوا ما أمرهم به نبيهم صلَّى اللَّه عليه وسلَّم . قال - تعالى - أَولَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا ، قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ . ثم ختمت السورة الكريمة حديثها عن غزوة أحد ببيان فضل الشهداء ، وما أعده اللَّه لهم من ثواب جزيل ، وبالثناء على المؤمنين الصادقين الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّه والرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ والذين لم يرهبهم قول المرجفين : إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ بل إن هذا القول زادهم إيمانا على إيمانهم ، وجعلهم يفوضون أمورهم إلى اللَّه ويقولون : حَسْبُنَا اللَّه ونِعْمَ الْوَكِيلُ . ولقد ذكر - سبحانه - أن حكمته قد اقتضت أن يحدث ما حدث في أحد حتى يتميز الخبيث من الطيب فقال - تعالى : ما كانَ اللَّه لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْه حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ، وما كانَ اللَّه لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ ، ولكِنَّ اللَّه يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِه مَنْ يَشاءُ ، فَآمِنُوا بِاللَّه ورُسُلِه وإِنْ تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ .